/ الفَائِدَةُ : (119 / 386) /

15/06/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [الدِّينُ وَالصَّلَاةُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ رَجُلٌ ] [أَصَالَةُ الْمَعْرِفَةِ وَإِسْقَاطُ التَّكْلِيفِ: قِرَاءَةٌ نَقْدِيَّةٌ فِي تَأْوِيلِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ لِحَقِيقَةِ الْعِبَادَاتِ] [تَأْوِيلُ الْعِبَادَاتِ بِالرِّجَالِ بَيْنَ النُّصُوصِ الْمَأْثُورَةِ وَالِانْحِرَافَاتِ الْخَطَّابِيَّةِ وَالْعِرْفَانِيَّةِ] تَظَاهَرَتِ الْبَيَانَاتُ الْوَحْيَانِيَّةُ الْمَأْثُورَةُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ، الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الدِّينَ وَالصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ وَسَائِرَ الْعِبَادَاتِ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا (رَجُلٌ) . وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَوَى هَذِهِ الْمَضَامِينَ : أَبُو زَيْنَبَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقْلَاصٍ [ابْنُ أَبِي الْخَطَّابِ] أَيَّامَ اسْتِقَامَتِهِ ، لَكِنَّهُ انْحَرَفَ فِي فَهْمِهَا ـ وَكَمَا جَارَاهُ فِي ذَلِكَ شِرْذِمَةٌ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَهْلِ الْعِرْفَانِ ـ فَأَوَّلَهَا تَأْوِيلًا فَاسِدًا ، مَفَادُهُ : أَنَّ مَنْ أَحْرَزَ مَعْرِفَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) أَجْزَأَتْهُ مَعْرِفَتُهُ عَنِ الِامْتِثَالِ الْفِعْلِيِّ لِلْأَعْمَالِ الْعِبَادِيَّةِ ؛ فَمَعْرِفَةُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) عِنْدَهُمْ تُغْنِي عَنِ الْقِيَامِ بِالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ حَمَلُوا جُمْلَةً مِنَ النُّصُوصِ الْوَحْيَانِيَّةِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ] (1). وَالْحَقُّ النَّاصِعُ : أَنَّ لِهَذِهِ الْبَيَانَاتِ الْوَحْيَانِيَّةِ مَحَامِلَ عِلْمِيَّةً شَتَّى ، وَتَفَاسِيرَ مُسْتَقِيمَةً عِدَّةً ، وَرَدَتْ مُسْتَفِيضَةً فِي مَأْثُورَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، مِنْهَا : التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ : أَنَّ إِحْدَى مَرَاتِبِ الطَّبَقَاتِ الذَّاتِيَّةِ لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) هِيَ حَقِيقَةُ الدِّينِ ـ بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ أُصُولِ الْعِبَادَاتِ ، كَأَصْلِ الصَّلَاةِ ـ ؛ وَتِلْكَ الْحَقِيقَةُ تُمَثِّلُ طَبَقَاتِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ الصَّاعِدَةِ ، حَيْثُ يُعَدُّ الْوَحْيُ الْإِلَهِيِّ بِتِلْكَ الطَّبَقَاتِ رُتْبَةً مِنْ رُتَبِ حَقَائِقِهِمُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) النُّورَانِيَّةِ الْمُتَعَالِيَةِ ـ كَمَا بُرْهِنَ فِي مَحَلِّهِ ـ . فَإِنَّ ذَوَاتِهِمُ الْمُقَدَّسَةَ بِحَارُ وَحْيٍ زَخَّارَةٌ ، يَعُبُّ عُبَابُهَا وَتَصْطَخِبُ أَمْوَاجُهَا ، فَلَا غَايَةَ لِعَدَدِهَا ، وَلَا نِهَايَةَ لِمَدَدِهَا ، وَلَا نَفَادَ لِأَمَدِهَا أَبَدَ الْآبَادِ وَدَهْرَ الدُّهُورِ ؛ لَا يَعْتَرِيهَا فَنَاءٌ وَلَا زَيْفٌ وَلَا تَغْيِيرٌ ، وَلَا يَعْتَوِرُهَا كَلَلٌ أَوْ فُتُورٌ ، وَلَا يَشُوبُهَا شَيْنٌ أَوْ مَيْنٌ . وَعَلَيْهِ : فَيَكُونُ الدِّينُ ـ بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ أُصُولِ الْعِبَادَاتِ ، كَأَصْلِ الصَّلَاةِ ـ رُتْبَةً مِنْ رُتَبِ حَقَائِقِهِمُ النُّورَانِيَّةِ الْمُتَعَالِيَةِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ عُنْوَانُ (الرَّجُلِ) بِلِحَاظِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ هُوَ : سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرُ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ لِكَوْنِهِ يُمَثِّلُ مَظْهَرًا لِطَبَقَاتِ ذَوَاتِهِمُ الْمُقَدَّسَةِ الشَّامِخَةِ . التَّفْسِيرُ الثَّانِي : أَنَّ الصَّلَاةَ الْكُبْرَى وَالْفَرِيضَةَ الْعَقْلِيَّةَ الْأَعْظَمَ ـ وَكَذَا سَائِرَ الْعِبَادَاتِ ـ هِيَ مَعْرِفَةُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ؛ وَهَذَا لَا يَعْنِي بِحَالٍ التَّفْرِيطَ بِالصَّلَاةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَرَاتِبِ النَّفْسَانِيَّةِ لِلْعِبَادَاتِ ، بَلْ يَجِبُ الِامْتِثَالُ الْفِعْلِيُّ لَهَا وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا ؛ إِذْ لَا سَبِيلَ لِلْوُلُوجِ إِلَى بَاطِنِ الدِّينِ وَحَقِيقَتِهِ إِلَّا مِنْ خِلَالِ التَّمَسُّكِ بِظَاهِرِهِ وَشَرِيعَتِهِ . إِذَنْ : لِلصَّلَاةِ ـ وَكَذَا سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ـ مَرَاتِبُ طَوْلِيَّةٌ وَطَبَقَاتٌ ، مِنْهَا : الصَّلَاةُ الْبَدَنِيَّةُ ، وَالصَّلَاةُ النَّفْسَانِيَّةُ ، وَالصَّلَاةُ الْعَقْلِيَّةُ ، وَالصَّلَاةُ الْقَلْبِيَّةُ . وَالْمُرَادُ مِنَ (الصَّلَاةِ الْقَلْبِيَّةِ) : تَمْحِيضُ التَّوَجُّهِ وَقَصْرُ الْمَيْلِ الْقَلْبِيِّ عَلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ، وَعَلَى أَوْلِيَائِهِ الْمَعْصُومِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) . وَمَفَادُ ذَلِكَ : أَنَّ قِيمَةَ أَرْكَانِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ مَشْرُوطَةٌ بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) فِي طُولِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) . وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى : إِنَّ الْغَايَةَ الْقُصْوَى مِنَ الدِّينِ وَتَشْرِيعَاتِهِ : هِيَ وُصُولُ الْفَرْدِ إِلَى كَمَالِهِ الْإِنْسَانِيِّ ، وَالْمُجْتَمَعِ إِلَى صَلَاحِهِ النَّوْعِيِّ (الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ) ؛ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ لِكَوْنِ جِبِلَّةِ الْفَضَائِلِ وَمَحَامِدِ الْكَمَالَاتِ ـ لَا سِيَّمَا مَرَاتِبُهَا الصَّاعِدَةُ ـ مَطْوِيَّةً فِي حَقَائِقِهِمُ النُّورَانِيَّةِ . وَمِنْ ثَمَّ ، يَمْتَنِعُ عَلَى أَيِّ مَخْلُوقٍ نَيْلُ أَيِّ مَرْتَبَةٍ مِنَ الْكَمَالِ إِلَّا بِالْمُرُورِ بِقَنَاةِ مَعْرِفَتِهِمْ ، وَالْوُقُوفِ عَلَى مَقَامَاتِهِمْ ، وَشُؤُونِهِمُ الْمَلَكُوتِيَّةِ . وَعُصَارَةُ الْقَوْلِ : أَنَّ حَقِيقَةَ الدِّينِ وَتَشْرِيعَاتِهِ تَؤُولُ إِلَى مَعْرِفَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) وَالْوُصُولِ إِلَيْهِمْ ، وَهُمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) الْجَاذِبُونَ إِلَى مُطْلَقِ الْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ ؛ لِكَوْنِ مَرَاتِبِهَا الْعُلْيَا رُتْبَةً مِنْ رُتَبِ ذَوَاتِهِمُ الْمُقَدَّسَةِ الشَّامِخَةِ ، مِنْ غَيْرِ أَدْنَى شَائِبَةِ تَجَوُّزٍ أَوْ مَجَازٍ فِي هَذِهِ التَّعَابِيرِ ؛ فَالدِّينُ وَفُرُوعُهُ ـ كَالصَّلَاةِ ـ هُوَ (رَجُلٌ) بِهَذَا اللِّحَاظِ الْحَقِيقِيِّ . وَهَذَا مَعْنًى بَدِيعٌ رَائِقٌ كَسَابِقِهِ . التَّفْسِيرُ الثَّالِثُ ـ وَهُوَ الْأَعْمَقُ رُتْبَةً ـ ، حَاصِلُهُ : أَنَّ ثَمَّةَ جَدَلِيَّةً حِكَمِيَّةً فِي تَصَوُّرِ كَمَالِ صَفْوَةِ الْمَخْلُوقَاتِ ، رَأْسِ هَرَمِهَا الْوُجُودِيِّ : أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ؛ وَمَفَادُ هَذِهِ الْجَدَلِيَّةِ : هُوَ كَيْفِيَّةُ تَكَامُلِ مَنْ بَلَغُوا ذُرْوَةَ الْكَمَالِ لِذَاتِهِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الدِّينِ وَالْأَعْمَالِ الْعِبَادِيَّةِ ، مَعَ أَنَّهُمْ ذَوَاتٌ كَامِلَةٌ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا النَّقْصُ بِوَجْهٍ ، وَمِنْ فَيْضِ نُورِهِمْ تُفَاضُ الْفَضَائِلُ وَالْكَمَالَاتُ عَلَى قَاطِبَةِ عَوَالِمِ الْوُجُودِ وَالْإِمْكَانِ ؛ مِنْهَا : الْمَعَارِفُ وَالْعَقَائِدُ وَالْأَعْمَالُ الْعِبَادِيَّةُ ؟! وَالْجَوَابُ : أَنَّ حَقَائِقَ كُمَّلِ الْمَخْلُوقَاتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ذَاتُ مَرَاتِبَ وَطَبَقَاتٍ ؛ فَحَقَائِقُهُمُ النَّازِلَةُ (بِلِحَاظِ عَالَمِ الْإِمْكَانِ) لَيْسَتْ كَحَقَائِقِهِمْ وَأَنْوَارِهِمُ الصَّاعِدَةِ بِالْقِيَاسِ إِلَى سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ. مِثَالُ ذَلِكَ عِصْمَتُهُمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ؛ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ عِصْمَةً مُطْلَقَةً كَامِلَةً بِالرُّتْبَةِ إِلَى مَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْخَلْقِ ، إِلَّا أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِصْمَةِ الذَّاتِيَّةِ لِلْبَارِي (جَلَّ وَعَلَا) تَبْقَى عِصْمَةً تَقْبَلُ التَّكَامُلَ وَتُفَاضُ عَلَيْهَا الْأَنْوَارُ دُونَ انْقِطَاعٍ . فَالْمَعْصُومُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ بِالنَّظَرِ إِلَى الْكَمَالِ الذَّاتِيِّ الْإِلَهِيِّ الْأَزَلِيِّ ـ فِي تَرَاقٍ دَائِمٍ وَتَكَامُلٍ مُسْتَمِرٍّ فِي عِصْمَتِهِ ، وَمَقَامَاتِهِ ، وَشُؤُونِهِ ، وَأَحْوَالِهِ ؛ إِذْ كُلُّ ذَلِكَ خَاضِعٌ لِلْقَانُونِ الْإِلَهِيِّ التَّكْوِينِيِّ وَالْمَعْرِفِيِّ ، الْمُتَمَثِّلِ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾(2) ، وَقَانُونِ : ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(3) . وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ ؛ يَرْتَفِعُ التَّنَافِي بَيْنَ حَقِيقَةِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ ـ كَالصَّلَاةِ مَثَلًا ـ فِي طَبَقَاتِهَا الصَّاعِدَةِ (وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَقَائِقِ النُّورَانِيَّةِ الصَّاعِدَةِ لِكُمَّلِ الْمَخْلُوقَاتِ) ، وَبَيْنَ تَكَامُلِ حَقَائِقِهِمْ "النَّازِلَةِ" (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) عَبْرَ هَذَا الدِّينِ وَفُرُوعِهِ ، كَالصَّلَاةِ الْبَدَنِيَّةِ أَوِ النَّفْسِيَّةِ ؛ إِذْ يَتِمُّ هَذَا التَّكَامُلُ بِاسْتِمْدَادِ النُّورِ مِنْ طَبَقَاتِ حَقِيقَةِ الدِّينِ الصَّاعِدَةِ . وَبِنَاءً عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ تَكَامُلَ نَفْسِ الْمَعْصُومِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَرْتَبَتِهَا النَّازِلَةِ ـ وَكَذَا سَائِرِ حَقَائِقِ الْمَخْلُوقَاتِ ـ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ النُّورِ الْمُفَاضِ عَلَيْهَا مِنْ نُورِ حَقِيقَةِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ الصَّاعِدَةِ . وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ الْوَجْهُ الْمَعْرِفِيُّ لِمَا وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ مِنْ أَنَّ : « الدِّينَ وَفُرُوعَهُ كالصَّلَاةِ رَجُلٌ » ؛ إِذْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ تَكَامُلَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي مَرَاتِبِهَا النَّازِلَةِ ـ مِنْهَا طَبَقَاتُ حَقَائِقِ الْكُمَّلِ نَفْسِهِمْ ـ مَنُوطٌ بِطَبَقَاتِ حَقَائِقِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ النُّورَانِيَّةِ الْعَالِيَةِ ، وَالَّتِي هِيَ عَيْنُ طَبَقَاتِ حَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) فِي قَوْسِ الصُّعُودِ ، بِوَصْفِهِمْ أَصْلَ الدِّينِ وَفُرُوعَهُ . إِذَنْ : بِنْيَةُ أَجْسَادِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) وَنُفُوسُهُمُ النَّاطِقَةُ ، وَإِنْ صَحَّ تَرَاقِيهَا وَتَكَامُلُهَا بِالْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ ،إِلَّا أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا تَبَدُّعُ الْكَمَالِ فِي رُتَبِ أَنْوَارِهِمْ وَطَبَقَاتِ حَقَائِقِهِمْ الصَّاعِدَةِ ؛ إِذْ كُلُّ فَيْضٍ وَكَمَالٍ سَارٍ فِي الْوُجُودِ وَالْمَخْلُوقَاتِ إِنَّمَا هُوَ رَشْحَةٌ مِنْ جُودِ تِلْكَ الْأَنْوَارِ ، وَأَثَرٌ مِنْ آثَارِ عِلَلِهَا الْعَالِيَةِ ، وَعِلَّةُ الشَّيْءِ لَا تَتَكَامُلُ بِمَعْلُولِهَا . وَبِالْجُمْلَةِ : فَإِنَّ أَنْوَارَ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) وَرُتَبَ حَقَائِقِهِمُ الْعَالِيَةِ ، وَإِنْ تَنَزَّلَتْ فِي سِلْكِ الْمَخْلُوقَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ، إِلَّا أَنَّ كَمَالَهَا الذَّاتِيَّ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاسْتِفَاضَةِ مِنَ الْقَوَابِلِ الدَّانِيَةِ وَالْوَسَائِطِ النَّازِلَةِ ـ كَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ـ بَلْ هُوَ فَيْضٌ أَقْدَسُ ، يَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا مُبَاشَرَةً مِنْ حَظِيرَةِ الْقُدْسِ وَالْجَبَرُوتِ الْإِلَهِيِّ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ ؛ حَاصِلُهُ : أَنَّ أَصْلَ الدِّينِ تَأْسِيسًا ، وَتَشْرِيعَ فُرُوعِهِ وَأَحْكَامِهِ تَقْنِينًا ، إِنَّمَا كَانَ بِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ؛ إِذْ بِهِمْ وَعَلَى لِسَانِهِمْ صُدِعَ بِالدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ ، وَأُبْلِغَتْ بَيَانَاتُهُمَا وَأَحْكَامُهُمَا الْإِلَهِيَّةُ ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَلَا قِوَامَ لِلدِّينِ وَفُرُوعِهِ إِلَّا بِهِمْ . فَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ طَبَقَاتِ حَقَائِقِهِمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) الصَّاعِدَةَ ـ وَتَتْبَعُهَا طَبَقَاتُهَا الْمُتَوَسِّطَةُ وَالنَّازِلَةُ ـ هِيَ نِظَامُ عَالَمِ الْإِمْكَانِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَوَجْهُ اللَّهِ الْبَاقِي ، وَوَسَائِطُ الْفَيْضِ الْإِلَهِيِّ الْفَارِدَةُ ، وَالْوَسِيلَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْحَصْرِيَّةُ ، وَالسَّبِيلُ وَالسَّبَبُ وَالْبَابُ وَالْحِجَابُ الْإِلَهِيُّ الْأَدْنَىٰ وَالْفَارِدُ بَيْنَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ وَجُمْلَةِ الْعَوَالِمِ وَكَافَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا ، مِنْ بِدَايَةِ الْخِلْقَةِ وَالْوُجُودِ إِلَىٰ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ . إِذَنْ : فَمَعْنَى أَنَّ الدِّينَ وَفُرُوعَهُ "رَجُلٌ" هُوَ : تَدَيُّنُ جُمْلَةِ الْعَوَالِمِ وَالْمُمْكِنَاتِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ ـ وَفِيهِمْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ـ بِأَنَّ السَّفَارَةَ الْفَارِدَةَ وَالْوَسَاطَةَ الْمُطْلَقَةَ بَيْنَ الْحَقِّ تَعَالَى وَبَيْنَ بَرِيَّتِهِ مَحْصُورَةٌ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَهَذِهِ السَّفَارَةُ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى نَشْأَةِ الدُّنْيَا الْأُولَى ، بَلْ هِيَ سَارِيَةٌ فِي كَافَّةِ الْعَوَالِمِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ ؛ إِذْ لَا تُتَلَقَّى حَقَائِقُ الدِّينِ فِي عَالَمٍ مِنَ الْعَوَالِمِ إِلَّا عَنْ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ . وَالْإِذْعَانُ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ هُوَ أُسُّ الدِّينِ وَذِرْوَةُ فُرُوعِهِ ؛ فَالشَّرِيعَةُ وَأَحْكَامُهَا ـ كَالصَّلَاةِ مَثَلًا ـ إِنَّمَا هِيَ "رَجُلٌ" بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْمَلَكُوتِيِّ . وَبِالْجُمْلَةِ : فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي مَأْثُورِ بَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) مِنْ أَنَّ "الصَّلَاةَ وَسَائِرَ الْعِبَادَاتِ رَجُلٌ" ؛ فَمَفَادُهُ : أَنَّ أُصُولَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَمَاهِيَّاتِهَا الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا لُوحِظَتْ وَاعْتُبِرَتْ تَبَعًا لِحَقِيقَةِ ذَلِكَ "الرَّجُلِ" ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وسائر أَهْل الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ؛ وَمَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ حَقَائِقَهُمُ النُّورَانِيَّةَ حَاكِمَةٌ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَفَوْقَ رُتْبَتِهَا الْوُجُودِيَّةِ. وَإِلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ التَّفْسِيرِيَّةِ يُومِئُ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ؛ عَنْ حَفْصٍ الْمُؤَذِّنِ ، قَالَ : « كَتَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِلَىٰ أَبِي الْخَطَّابِ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ الْخَمْرَ رَجُلٌ ، وَأَنَّ الزِّنَا رَجُلٌ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ رَجُلٌ ، وَأَنَّ الصَّوْمَ رَجُلٌ ، وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُ ، نَحْنُ أَصْلُ الْخَيْرِ ، وَفُرُوعُهُ طَاعَةُ اللَّهِ ، وَعَدُوُّنَا أَصْلُ الشَّرِّ ، وَفُرُوعُهُ مَعْصِيَةُ اللَّهِ ... » (4). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْحِجْرُ : 99. (2) طه : 114 . (3) يُوسُفُ : 76. (4) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 24 : 37 / ح 8. بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ : 157